فصل: في أن الحذف خلاف الأصل.
وَالْحَذْفُ خِلَافُ الْأَصْلِ وَعَلَيْهِ يَنْبَنِي فَرْعَانِ:.
أَحَدُهُمَا: إِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْحَذْفِ وَعَدَمِهِ كَانَ الْحَمْلُ عَلَى عَدَمِهِ أَوْلَى لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّغْيِيرِ.
وَالثَّانِي: إِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ قِلَّةِ الْمَحْذُوفِ وَكَثْرَتِهِ كَانَ الْحَمْلُ عَلَى قِلَّتِهِ أَوْلَى.
أوجه الكلام على الحذف.
ويقع الكلام في الحذف من خَمْسَةِ أَوْجُهٍ فِي فَائِدَتِهِ وَفِي أَسْبَابِهِ ثُمَّ فِي أَدِلَّتِهِ ثُمَّ فِي شُرُوطِهِ ثُمَّ فِي أقسامه.
فوائد الحذف.
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فِي فَوَائِدِهِ:.
فَمِنْهَا: التَّفْخِيمُ وَالْإِعْظَامُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِبْهَامِ لِذَهَابِ الذِّهْنِ فِي كُلِّ مَذْهَبٍ وَتَشَوُّفِهِ إِلَى مَا هُوَ الْمُرَادُ فَيَرْجِعُ قَاصِرًا عَنْ إِدْرَاكِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْظُمُ شَأْنُهُ وَيَعْلُو فِي النَّفْسِ مَكَانُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَحْذُوفَ إِذَا ظَهَرَ فِي اللَّفْظِ زَالَ مَا كَانَ يَخْتَلِجُ فِي الْوَهْمِ مِنَ الْمُرَادِ وخلص للمذكور!.
وَمِنْهَا: زِيَادَةُ لَذَّةٍ بِسَبَبِ اسْتِنْبَاطِ الذِّهْنِ لِلْمَحْذُوفِ وَكُلَّمَا كَانَ الشُّعُورُ بِالْمَحْذُوفِ أَعْسَرَ كَانَ الِالْتِذَاذُ بِهِ أَشَدَّ وَأَحْسَنَ.
وَمِنْهَا: زِيَادَةُ الْأَجْرِ بِسَبَبِ الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَحْذُوفِ كَمَا تَقُولُ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ وَالْمَنْصُوصَةِ.
وَمِنْهَا: طَلَبُ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ وَتَحْصِيلُ الْمَعْنَى الْكَثِيرِ فِي اللَّفْظِ الْقَلِيلِ.
وَمِنْهَا: التَّشْجِيعُ عَلَى الْكَلَامِ وَمِنْ ثَمَّ سَمَّاهُ ابْنُ جِنِّي: [شَجَاعَةَ الْعَرَبِيَّةِ] .
وَمِنْهَا: مَوْقِعُهُ فِي النَّفْسِ فِي مَوْقِعِهِ عَلَى الذِّكْرِ وَلِهَذَا قَالَ شَيْخُ الصِّنَاعَتَيْنِ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ: مَا مِنَ اسْمٍ حُذِفَ فِي الْحَالَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْذَفَ فِيهَا إِلَّا وَحَذْفُهُ أَحْسَنُ مِنْ ذِكْرِهِ. وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
إِذَا نَطَقَتْ جَاءَتْ بِكُلِّ مَلِيحَةٍ وَإِنْ سَكَتَتْ جَاءَتْ بِكُلِّ مَلِيحِ