أدلة الحذف
أدلة الحذف.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي أَدِلَّتِهِ:.
وَلَمَّا كَانَ الْحَذْفُ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِدَلِيلٍ احْتِيجَ إِلَى ذِكْرِ دَلِيلِهِ.
وَالدَّلِيلُ تَارَةً يَدُلُّ عَلَى مَحْذُوفٍ مُطْلَقٍ وَتَارَةً عَلَى مَحْذُوفٍ مُعَيَّنٍ.
فَمِنْهَا: أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ حَيْثُ تَسْتَحِيلُ صِحَّةُ الْكَلَامِ عَقْلًا إِلَّا بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ،.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَقْلًا تَكَلُّمُ الْأَمْكِنَةِ إِلَّا مُعْجِزَةً.
وَمِنْهَا: أَنْ تَدُلَّ عَلَيْهِ الْعَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ كَقَوْلِهِ تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة} .فَإِنَّ الذَّاتَ لَا تَتَّصِفُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ شَرْعًا إِنَّمَا هُمَا مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ الْوَاقِعَةِ عَلَى الذَّوَاتِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَحْذُوفَ التَّنَاوُلُ وَلَكِنَّهُ لَمَّا حُذِفَ وَأُقِيمَتِ الْمَيْتَةُ مَقَامَهُ أُسْنِدَ إِلَيْهَا الْفِعْلُ وَقُطِعَ النَّظَرُ عَنْهُ فَلِذَلِكَ أُنِّثَ الْفِعْلُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} وَقَوْلُ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ بَابِ دَلَالَةِ الْعَقْلِ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُدْرِكُ مَحَلَّ الْحِلِّ وَلَا الْحُرْمَةِ فَلِهَذَا جَعَلْنَاهُ مِنْ دَلَالَةِ الْعَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَدُلَّ الْعَقْلُ عَلَيْهِمَا أَيْ عَلَى الْحَذْفِ وَالتَّعْيِينِ كَقَوْلِهِ تعالى: {وجاء ربك} ،أَيْ أَمْرُهُ أَوْ عَذَابُهُ أَوْ مَلَائِكَتُهُ لِأَنَّ الْعَقْلَ دَلَّ عَلَى أَصْلِ الْحَذْفِ وَلِاسْتِحَالَةِ مَجِيءِ البارىء عَقْلًا لِأَنَّ الْمَجِيءَ مِنْ سِمَاتِ الْحُدُوثِ وَدَلَّ الْعَقْلُ أَيْضًا عَلَى التَّعْيِينِ وَهُوَ الْأَمْرُ وَنَحْوُهُ وَكَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا حَذْفَ أَلْبَتَّةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَمْثِيلٌ مَثَّلَتْ حَالَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي ذَلِكَ بِحَالِ الْمَلِكِ إِذَا حَضَرَ بِنَفْسِهِ.
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ} ،لِأَنَّهُ فِي مَعْرِضِ التَّوْحِيدِ فَعَدَمُ الْفَسَادِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ تَعَدُّدِ الْآلِهَةِ وَإِنَّمَا حُذِفَ لِأَنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ ضَرُورَةً وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الْمُقَدِّمَةَ الثَّانِيَةَ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الشَّرْطِ بُلُوغًا لَهَا.
وَمِنْهَا: أَنْ يَدُلَّ الْعَقْلُ عَلَى أَصْلِ الْحَذْفِ وَتَدُلَّ عَادَةُ النَّاسِ عَلَى تَعْيِينِ الْمَحْذُوفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَذَلِكُنَّ الذي لمتنني فيه} فَإِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيْسَ ظَرْفًا لِلَوْمِهِنَّ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ فَقَدْ دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى أَصْلِ الْحَذْفِ.
ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الظرف حبه بدليل: {شغفها حبا} أو مراودته بدليل: {تراود فتاها} ،ولكن.
الْعَقْلَ لَا يُعَيِّنُ وَاحِدًا مِنْهَا بَلِ الْعَادَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمَحْذُوفَ هُوَ الثَّانِي فَإِنَّ الْحُبَّ لَا يُلَامُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ لِأَنَّهُ يَقْهَرُهُ وَيَغْلِبُهُ وَإِنَّمَا اللَّوْمُ فِيمَا لِلنَّفْسِ فِيهِ اخْتِيَارٌ وَهُوَ الْمُرَاوَدَةُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى دَفْعِهَا.
وَمِنْهَا: أَنْ تَدُلَّ الْعَادَةُ عَلَى تَعْيِينِ الْمَحْذُوفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لو نعلم قتالا} ، أَيْ مَكَانَ قِتَالٍ وَالْمُرَادُ مَكَانًا صَالِحًا لِلْقِتَالِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَخْبَرَ النَّاسِ بِالْقِتَالِ وَالْعَادَةُ تَمْنَعُ أَنْ يُرِيدُوا لَوْ نَعْلَمُ حَقِيقَةَ الْقِتَالِ فَلِذَلِكَ قَدَّرَهُ مُجَاهِدٌ: [مَكَانَ قِتَالٍ] .
وَقِيلَ: إِنَّ تَعْيِينَ الْمَحْذُوفِ هُنَا مِنْ دَلَالَةِ السِّيَاقِ لَا الْعَادَةِ.
| اسم الكتاب: | المستطرف في كل فن مستظرف | |||||
| المؤلف: | شهاب الدين محمد بن أحمد الأبشيهي أبو الفتح | |||||
| الفن: | الأدب والبلاغة | |||||
| عدد المجلدات: | 1 | |||||
| للاطلاع على الكتاب إليكم الرابط: | http://elibrary.mediu.edu.my/books/DRM2622.pdf |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق