الثالث: التقديم وَالتَّأْخِيرِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ وَمِنْهُ فِي الْبَقَرَةِ: {يَتْلُو عَلَيْهِمْآياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم} مؤخر وما سواه: {يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}
وَمِنْهُ تَقْدِيمُ اللَّعِبِ عَلَى اللَّهْوِ فِي مَوْضِعَيْنِ من سورة الأنعام وَكَذَلِكَ فِي الْقِتَالِ وَالْحَدِيدِ
وَقَدَّمَ اللَّهْوَ عَلَى اللعب في الأعراف والعنكبوت وَإِنَّمَا قَدَّمَ اللَّعِبَ فِي الْأَكْثَرِ لِأَنَّ اللَّعِبَ زَمَانُ الصِّبَا وَاللَّهْوَ زَمَانُ الشَّبَابِ وَزَمَانُ الصِّبَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى زَمَانِ اللَّهْوِ
تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ في الحدي: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب} أَيْ كَلَعِبِ الصِّبْيَانِ: {وَلَهْوٌ} أَيْ كَلَهْوِ الشَّبَابِ: {وزينة} كزينة النساء: {وتفاخر} كَتَفَاخُرِ الْإِخْوَانِ: {وَتَكَاثُرٌ} كَتَكَاثُرِ السُّلْطَانِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي تَقْدِيمِ اللَّعِبِ عَلَى اللَّهْوِ قَوْلُهُ: {وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لدنا إن كنا فاعلين}
وَقَدَّمَ اللَّهْوَ فِي الْأَعْرَافِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَذَكَرَ عَلَى تَرْتِيبِ مَا انْقَضَى وَبَدَأَ بِمَا بِهِ الْإِنْسَانُ انْتَهَى مِنَ الْحَالَيْنِ
وَأَمَّا الْعَنْكَبُوتُ فَالْمُرَادُ بِذِكْرِهِمَا زَمَانُ الدُّنْيَا وَأَنَّهُ سَرِيعُ الِانْقِضَاءِ قَلِيلُ الْبَقَاءِ: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الحيوان} أَيِ الْحَيَاةُ الَّتِي لَا أَبَدَ لَهَا وَلَا نِهَايَةَ لِأَبَدِهَا فَبَدَأَ بِذِكْرِ اللَّهْوِ لِأَنَّهُ فِي زَمَانِ الشَّبَابِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ زَمَانِ اللَّعِبِ وَهُوَ زَمَانُ الصِّبَا


وَمِنْهُ تَقْدِيمُ لَفْظِ الضَّرَرِ عَلَى النَّفْعِ فِي الأكثر لأن العابد يعبد معبودا خَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ أَوَّلًا ثُمَّ طَمَعًا فِي ثَوَابِهِ
وَحَيْثُ تَقَدَّمَ النَّفْعُ عَلَى الضُّرِّ فَلِتَقَدُّمِ مَا يَتَضَمَّنُ النَّفْعَ وَذَلِكَ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا بِلَفْظِ الِاسْمِ وَهِيَ فِي الْأَعْرَافِ والرعد وسبأ وَأَرْبَعَةٌ بِلَفْظِ الْفِعْلِ وَهِيَ فِي الْأَنْعَامِ: {مَا لا ينفعنا ولا يضرنا} وَفِي آخِرِ يُونُسَ: {مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يضرك} وَفِي الْأَنْبِيَاءِ: {مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يضركم} وَفِي الْفُرْقَانِ: {مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ} أَمَّا فِي الْأَعْرَافِ فَلِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: {مَنْ يَهْدِ الله فهو المهتدي ومن يضلل} فَقَدَّمَ الْهِدَايَةَ عَلَى الضَّلَالِ وَبَعْدَ ذَلِكَ: {لَاسْتَكْثَرْتُ من الخير وما مسني السوء} فقدم الخير على السوء وكذا قَدَّمَ النَّفْعَ عَلَى الضُّرِّ أَمَّا فِي الرَّعْدِ فَلِتَقَدُّمِ الطَّوْعِ فِي قَوْلِهِ: {طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} أما فِي سَبَأٍ فَلِتَقَدُّمِ الْبَسْطِ فِي قَوْلِهِ: {يَبْسُطُ الرزق لمن يشاء ويقدر} وَفِي يُونُسَ قَدَّمَ الضُّرَّ عَلَى الْأَصْلِ وَلِمُوَافَقَةِ مَا قَبْلَهَا فَإِنَّ فِيهَا: {مَا لَا يَضُرُّهُمْ ولا

ينفعهم} وفيها: {وإذا مس الأنسان الضر} فَتَكُونُ الْآيَةُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ
وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ بِلَفْظِ الْفِعْلِ فَلِسَابِقَةِ مَعْنًى يَتَضَمَّنُ نَفْعًا
أَمَّا الْأَنْعَامُ فَفِيهَا: {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يؤخذ منها} ثُمَّ وَصَلَهُ بِقَوْلِهِ: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا} وَفِي يُونُسَ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} ثُمَّ قَالَ: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا ينفعك ولا يضرك} وَفِي الْأَنْبِيَاءِ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْكُفَّارِ لِإِبْرَاهِيمَ فِي الْمُجَادَلَةِ: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شيئا ولا يضركم} وَفِي الْفُرْقَانِ تَقَدَّمَ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} نِعَمًا جَمَّةً فِي الْآيَاتِ ثُمَّ قَالَ: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يضرهم}