الْقِسْمُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: الْمُبَالَغَةُ.
وَهِيَ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ صِفَةٌ ثَابِتَةٌ فَتَزِيدُ فِي التَّعْرِيفِ بِمِقْدَارِ شِدَّتِهِ أَوْ ضَعْفِهِ فَيُدَّعَى.لَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ مَا يُسْتَبْعَدُ عِنْدَ السَّمَاعِ أَوْ يُحِيلُ عَقْلُهُ ثُبُوتَهُ.
وَمِنْ
أَحْسَنِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ
يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ
بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} ، وَهِيَ ظُلْمَةُ الْبَحْرِ وَظُلْمَةُ
الْمَوْجِ فَوْقَهُ وَظُلْمَةُ السَّحَابِ فَوْقَ الْمَوْجِ.
وَقَوْلُهُ
تَعَالَى: {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحناجر} ،أَيْ كَادَتْ تَبْلُغُ
لِأَنَّ الْقَلْبَ إِذَا زَالَ عَنْ مَوْضِعِهِ مَاتَ صَاحِبُهُ.
وَقِيلَ:
هُوَ حَقِيقَةٌ وَإِنَّ الْخَوْفَ وَالرَّوْعَ يُوجِبُ لِلْخَائِفِ أَنْ
تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَنْهَضَ بِالْقَلْبِ نَحْوَ
الْحَنْجَرَةِ. ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ.
أَوْ أَنَّهَا لَمَّا اتَّصَلَ وَجِيبُهَا وَاضْطِرَابُهَا بَلَغَتِ الْحَنَاجِرَ.
وَرَدَّ ابْنُ الانبارى تقديرا: [كَادَتْ] فَإِنَّ [كَادَ] لَا تُضْمَرُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} .
وَقَوْلُهُ
تَعَالَى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ
الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولدا} .
وَمِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْوَصْفِ بِطَرِيقِ التَّشْبِيهِ، كَقَوْلِهِ تعالى: {إنها ترمي بشرر كالقصر. كأنه جمالت صفر} .
وَقَدْ
يَخْرُجُ الْكَلَامُ مَخْرَجَ الْإِخْبَارِ عَنِ الْأَعْظَمِ الأكبر
للبمالغة وَهُوَ مَجَازٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَاءَ رَبُّكَ
وَالْمَلَكُ صفا صفا} ،فَجَعَلَ مَجِيءَ جَلَائِلِ آيَاتِهِ مَجِيئًا لَهُ
سُبْحَانَهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ.
وَكَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَوَجَدَ
اللَّهَ عِنْدَهُ فوفاه حسابه} ، فَجَعَلَ نَقْلَهُ بِالْهَلَكَةِ مِنْ
دَارِ الْعَمَلِ إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ وُجْدَانًا لِلْمَجَازِيِّ.
وَمِنْهُ
مَا جَرَى مَجْرَى الْحَقِيقَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَكَادُ سَنَا
بَرْقِهِ يذهب بالأبصار} ،فَإِنَّ اقْتِرَانَ هَذِهِ بِ يَكَادُ صَرْفُهَا
إِلَى الْحَقِيقَةِ فَانْقَلَبَ مِنَ الِامْتِنَاعِ إِلَى الْإِمْكَانِ.
وَقَدْ
تجيء المبالغة مدمج كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ
الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ
وَسَارِبٌ بالنهار} ، فَإِنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ
مُدْمَجَةٌ فِي الْمُقَابَلَةِ وَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُخَاطَبِ
لَا إِلَى الْمُخَاطِبِ مَعْنَاهُ أَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ
عِنْدَكُمْ وَإِلَّا فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ لَيْسَ
بِمُبَالَغَةٍ.
منقول من http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=43741
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق