.
أقسام الحذف.
الْخَامِسُ: فِي أَقْسَامِهِ:.
الْأَوَّلُ: الِاقْتِطَاعُ، وَهُوَ ذِكْرُ حَرْفٍ مِنَ الْكَلِمَةِ وَإِسْقَاطُ الْبَاقِي، كَقَوْلِهِ:
*دَرَسَ الْمُنَا بِمَتَالِعٍ فَأَبَانِ*
أَيِ الْمَنَازِلُ وَأَنْكَرَ صَاحِبُ [الْمَثَلِ السَّائِرِ] وُرُودَ هَذَا النَّوْعِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ.
وَقَدْ جَعَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ فَوَاتِحَ السُّوَرِ لِأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ:" [الم] مَعْنَاهُ: [أَنَا الله أعلم وأرى] و [المص] أنا لله أَعْلَمُ وَأُفَصِّلُ وَكَذَا الْبَاقِي.
وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: {وامسحوا برؤوسكم} :إِنَّ الْبَاءَ هُنَا أَوَّلُ كَلِمَةِ [بَعْضَ] ثُمَّ حُذِفَ الْبَاقِي كَقَوْلِهِ:
*قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَافْ*
أَيْ وَقَفْتُ، وَفِي الْحَدِيثِ: " كَفَى بِالسَّيْفِ شَا " أَيْ شَاهِدًا.وقال الزمخشري في قوله: {من اللَّهُ} فِي الْقَسَمِ: إِنَّهَا [ايْمَنُ] الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي الْقَسَمِ حُذِفَتْ نُونُهَا.
وَمِنْ هَذَا التَّرْخِيمُ ومنه قراءة بعضهم: [يا مال] عَلَى لُغَةِ مَنْ يَنْتَظِرُ وَلَمَّا سَمِعَهَا بَعْضُ السَّلَفِ قَالَ مَا أَشْغَلَ أَهْلَ النَّارِ عَنِ التَّرْخِيمِ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُمْ لِشِدَّةِ مَا هُمْ فِيهِ عَجَزُوا عَنْ إِتْمَامِ الْكَلِمَةِ.
الثَّانِي: الِاكْتِفَاءُ وَهُوَ أَنْ يَقْتَضِيَ الْمَقَامُ ذِكْرَ شَيْئَيْنِ بَيْنَهُمَا تَلَازُمٌ وَارْتِبَاطٌ فَيُكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ وَيُخَصُّ بِالِارْتِبَاطِ الْعَطْفِيِّ غَالِبًا فَإِنَّ الِارْتِبَاطَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ وُجُودِيٌّ وَلُزُومِيٌّ وَخَبَرِيٌّ وَجَوَابِيٌّ وَعَطْفِيٌّ.
ثُمَّ لَيْسَ الْمُرَادُ الِاكْتِفَاءَ بِأَحَدِهِمَا كَيْفَ اتُّفِقَ بَلْ لِأَنَّ فِيهِ نُكْتَةً تَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ.
وَالْمَشْهُورُ فِي مِثَالِ هَذَا النَّوْعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر} أَيْ وَالْبَرْدَ هَكَذَا قَدَّرُوهُ. وَأَوْرَدُوا عَلَيْهِ سُؤَالَ الْحِكْمَةِ مِنْ تَخْصِيصِ الْحَرِّ بِالذِّكْرِ وَأَجَابُوا بِأَنَّ الْخِطَابَ لِلْعَرَبِ وَبِلَادُهُمْ حَارَّةٌ وَالْوِقَايَةُ عِنْدَهُمْ مِنَ الْحَرِّ أَهَمُّ لِأَنَّهُ أَشَدُّ مِنَ الْبَرْدِ عِنْدَهُمْ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ فَإِنَّ الْبَرْدَ ذُكِرَ الِامْتِنَانُ بِوِقَايَتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي قَوْلِهِ: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} وقوله: {وجعل لكم من.
الجبال أكنانا} وَقَوْلِهِ فِي صَدْرِ السُّورَةِ: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فيها دفء} .
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ الْوِقَايَتَيْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظلالا} ،فَإِنَّ هَذِهِ وِقَايَةُ الْحَرِّ، ثُمَّ قَالَ: {وَجَعَلَ لكم من الجبال أكنانا} ،فَهَذِهِ وِقَايَةُ الْبَرْدِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ؟.
قِيلَ: لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَسَاكِنِ وَهَذِهِ إلى الملابس، وقوله: {وجعل لكم من الجبال أكنانا} لم يذكره السهيلي، وَفِيهِ الْجَوَابَانِ السَّابِقَانِ.
وَأَمْثِلَةُ هَذَا الْقِسْمِ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ والنهار} .
فَإِنَّهُ قِيلَ: الْمُرَادُ: [وَمَا تَحَرَّكَ] وَإِنَّمَا آثَرَ ذِكْرَ السُّكُونِ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ الْحَالَيْنِ عَلَى الْمَخْلُوقِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالْجَمَادِ وَلِأَنَّ السَّاكِنَ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنَ الْمُتَحَرِّكِ أَوْ لِأَنَّ كُلَّ مُتَحَرِّكٍ يَصِيرُ إِلَى السُّكُونِ وَلِأَنَّ السُّكُونَ هُوَ الْأَصْلُ وَالْحَرَكَةُ طارئة.
وقوله: {بيدك الخير} تقدير: [وَالشَّرُّ] إِذْ مَصَادِرُ الْأُمُورِ كُلِّهَا بِيَدِهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَإِنَّمَا آثَرَ ذِكْرَ الْخَيْرِ لِأَنَّهُ مَطْلُوبُ الْعِبَادِ وَمَرْغُوبُهُمْ إِلَيْهِ أَوْ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ وُجُودًا فِي الْعَالَمِ مِنَ الشَّرِّ وَلِأَنَّهُ يَجِبُ فِي بَابِ الْأَدَبِ أَلَّا يُضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ".
وَقِيلَ: إِنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا وَرَدَ رَدًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِيمَا أَنْكَرُوهُ مِمَّا وَعَدَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ مِنْ فَتْحِ بِلَادِ الرُّومِ وَفَارِسَ وَوَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ الْكَلَامُ فِي الْخَيْرِ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ بِاعْتِبَارِ الْحَالِ.
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=43786
اسم الكتاب: المستطرف في كل فن مستظرف المؤلف: شهاب الدين محمد بن أحمد الأبشيهي أبو الفتح الفن: الأدب والبلاغة عدد المجلدات: 1 للاطلاع على الكتاب إليكم الرابط: http://elibrary.mediu.edu.my/books/DRM2622.pdf
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق