الرَّابِعُ: فِي مَقَامِ التَّعْظِيمِ وَالتَّهْوِيلِ كقوله تعالى: {الحاقة ما الحاقة} {القارعة ما الْقَارِعَةِ} {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أدراك ما ليلة الْقَدْرِ} .
وَقَوْلِهِ: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} .
وَقَوْلِهِ: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ المشأمة ما أصحاب المشأمة} .
وقوله: {ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} .
الْخَامِسُ: فِي مَقَامِ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} وَذِكْرُ "ثُمَّ" فِي الْمُكَرَّرِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْذَارَ الثَّانِيَ أَبْلَغُ مِنَ الْأَوَّلِ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَإِنْ تَعَاقَبَتْ عَلَيْهِ الْأَزْمِنَةُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ تَغْيِيرٌ بَلْ هُوَ مُسْتَمِرٌّ دَائِمًا.
السَّادِسُ: التَّعَجُّبُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثم قتل كيف قدر} فَأُعِيدَ تَعَجُّبًا مِنْ تَقْدِيرِهِ وَإِصَابَتِهِ الْغَرَضَ عَلَى حَدِّ قَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَشْجَعَهُ!.
السَّابِعُ: لِتَعَدُّدِ الْمُتَعَلِّقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ ربكما تكذبان} فَإِنَّهَا وَإِنْ تَعَدَّدَتْ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ بِهَا الثَّقَلَيْنِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَعَدَّدَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ الَّتِي خَلَقَهَا لَهُمْ فَكُلَّمَا ذَكَرَ فَصْلًا مِنْ فُصُولِ النِّعَمِ طَلَبَ إِقْرَارَهُمْ وَاقْتَضَاهُمُ الشُّكْرَ عَلَيْهِ وَهِيَ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ وَصُوَرٌ شَتَّى.
فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى فِي تَكْرِيرِهَا عَدُّ النِّعَمِ وَاقْتِضَاءُ الشُّكْرِ عَلَيْهَا فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ} وَأَيُّ نِعْمَةٍ هُنَا! وَإِنَّمَا هُوَ وَعِيدٌ.
قِيلَ: إِنَّ نِعَمَ اللَّهِ فِيمَا أَنْذَرَ بِهِ وَحَذَّرَ مِنْ عُقُوبَاتِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ لِيَحْذَرُوهَا فَيَرْتَدِعُوا عَنْهَا نَظِيرُ أَنْعُمِهِ عَلَى مَا وَعَدَهُ وَبَشَّرَ مِنْ ثَوَابِهِ عَلَى طَاعَتِهِ لِيَرْغَبُوا فِيهَا وَيَحْرِصُوا عَلَيْهَا وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ بِأَنْ تَعْتَبِرَهُ بِضِدِّهِ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَإِنْ تَقَابَلَا فِي ذَوَاتِهِمَا فَإِنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي مَوْضِعِ النِّعَمِ بِالتَّوْقِيتِ عَلَى مِلَاكِ الْأَمْرِ مِنْهَا وَعَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضِ حُكَمَاءِ الشُّعَرَاءِ:
وَالْحَادِثَاتُ وَإِنْ أَصَابَكَ بُؤْسُهَا فَهُوَ الَّذِي أَنْبَاكَ كَيْفَ نَعِيمُهَا
وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا لِتَعْلَمَ الْحِكْمَةَ فِي كَوْنِهَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَلَوْ كَانَ عَائِدًا لِشَيْءٍ وَاحِدٍ لَمَا زَادَ عَلَى ثَلَاثَةٍ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ لَا يَقَعُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِكُلِّ مَا قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِطْنَابٍ بَلْ هِيَ أَلْفَاظٌ أُرِيدَ بِهَا غَيْرَ مَا أُرِيدَ بِالْآخَرِ.

قُلْتُ: إِنْ قُلْنَا: الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَكُلُّ وَاحِدٍ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا أُرِيدَ بِالْآخَرِ.
وَقَدْ تَكَلَّفَ لِتَوْجِيهِ الْعِدَّةِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الْآيَةُ مُكَرَّرَةً قَالَ الْكِرْمَانِيُّ جَاءَتْ آيَةٌ وَاحِدَةٌ فِي هَذِهِ السُّورَةِ كُرِّرَتْ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً لِأَنَّ سِتَّ عَشْرَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْجِنَانِ لِأَنَّ لَهَا ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْهَا رَاجِعَةٌ إِلَى النِّعَمِ وَالنِّقَمِ فَأَعْظَمُ النِّقَمِ جَهَنَّمُ وَلَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ وَجَاءَتْ سَبْعَةٌ فِي مُقَابَلَةِ تِلْكَ الْأَبْوَابِ وَسَبْعَةٌ عَقِبَ كُلِّ نِعْمَةٍ ذَكَرَهَا لِلثَّقَلَيْنِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: نَبَّهَ فِي سَبْعٍ مِنْهَا عَلَى مَا خَلَقَهُ اللَّهُ لِلْعِبَادِ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا الْمُخْتَلِفَةِ عَلَى عِدَّةِ أُمَّهَاتِ النِّعَمِ وَأَفْرَدَ سَبْعًا مِنْهَا لِلتَّخْوِيفِ وَإِنْذَارًا عَلَى عِدَّةِ أَبْوَابِ الْمُخَوَّفِ مِنْهُ وَفَصَلَ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالسَّبْعِ الثَّوَانِي بِوَاحِدَةٍ سَوَّى فِيهَا بَيْنَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَنَاءِ حَيْثُ اتَّصَلَتْ بِقَوْلِهِ: {كل من عليها فان} فَكَانَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ أُتْبِعَتْ بِثَمَانِيَةٍ فِي وَصْفِ الْجِنَانِ وَأَهْلِهَا عَلَى عِدَّةِ أَبْوَابِهَا ثُمَّ بِثَمَانِيَةٍ أُخَرَ فِي وَصْفِ الْجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِنْ دُونِ الْأَوَّلِيَّيْنِ لِذَلِكَ أَيْضًا فَاسْتُكْمِلَتْ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ.
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} في سورة المراسلات عَشْرُ مَرَّاتٍ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ قِصَصًا مُخْتَلِفَةً وَأَتْبَعَ كُلَّ قِصَّةٍ بِهَذَا الْقَوْلِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ عَقِبَ كُلِّ قِصَّةٍ وَيْلٌ لِلْمُكَذِّبِينَ بِهَذِهِ القصة وكل قصة مخالفة لصحابتها فَأَثْبَتَ الْوَيْلَ لِمَنْ كَذَّبَ بِهَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ جَزَاءُ الْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَجَعَلَ لِلْكُفَّارِ فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الثَّوَابِ وَيْلٌ وَمِنْهَا فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مؤمنين


وإن ربك لهو العزيز الرحيم} فِي ثَمَانِيَةِ مَوَاضِعَ لِأَجْلِ الْوَعْظِ فَإِنَّهُ قَدْ يتأثر بالتكرار من لا يتأثر بالمرة الواحد.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} فَذَلِكَ لِظُهُورِ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَالْعَجَبُ مِنْ تَخَلُّفِ مَنْ لَا يَتَأَمَّلُهَا مَعَ ظُهُورِهَا.
وَأَمَّا مُنَاسَبَةُ قَوْلِهِ: {الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} فَإِنَّهُ تَعَالَى نَفَى الْإِيمَانَ عَنِ الْأَكْثَرِ، فَدَلَّ بِالْمَفْهُومِ عَلَى إِيمَانِ الْأَقَلِّ فَكَانَتِ الْعِزَّةُ عَلَى مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ وَالرَّحْمَةُ لِمَنْ آمَنَ وَهُمَا مُرَتَّبَتَانِ كَتَرْتِيبِ الْفَرِيقَيْنِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} الْآيَةَ، لِأَنَّ عِلْمَهُمْ يَقَعُ أَوَّلًا وَثَانِيًا عَلَى نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِحَسَبِ الْمَقَامِ وَهَذَا أَقْرَبُ لِلْحَقِيقَةِ الْوَضْعِيَّةِ وَحَالِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ فَإِنَّ الْمُعَامَلَاتِ الْإِلَهِيَّةِ للطائع والعاصي متغيرة الأنواع الدنيوية الْبَرْزَخِيَّةُ ثُمَّ الْحَشْرِيَّةُ كَمَا أَنَّ أَحْوَالَ الِاسْتِقْرَارِ بعد الجميع في الغايقة بَلْ كُلُّ مَقَامٍ مِنْ هَذِهِ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ وَفِي [ثُمَّ] دَلَالَةٌ عَلَى التَّرَقِّي إِنْ لَمْ يُجْعَلِ الزَّمَانُ مُرَتَّبًا فِي الْإِنْذَارِ عَلَى التَّكْرَارِ وَفِي الْمُنْذِرِ بِهِ عَلَى التَّنْوِيعِ.
وَمِنْهُ تَكْرَارُ: {فذوقوا عذابي ونذر} قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَرَّرَ لِيَجِدُوا عِنْدَ سَمَاعِ كُلِّ نَبَإٍ مِنْهَا اتِّعَاظًا وَتَنْبِيهًا وَأَنَّ كُلًّا مِنْ تِلْكَ الْأَنْبَاءِ مُسْتَحَقٌّ بِاعْتِبَارٍ يَخْتَصُّ بِهِ وَأَنْ يَتَنَبَّهُوا كَيْلَا يَغْلِبَهُمُ السُّرُورُ وَالْغَفْلَةُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون إلى آخرها.