وقوله:
{قل اللهم فاطر السماوات والأرض} إِلَى قَوْلِهِ: {وَحَاقَ بِهِمْ مَا
كَانُوا بِهِ يستهزئون} اعْتِرَاضٌ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ وَهُوَ
قَوْلُهُ: {وَإِذَا ذكر الله وحده اشمأزت} الْآيَةَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ
قَوْلَهُ: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضر} سَبَبٌ عَنْ قَوْلِهِ: {وَإِذَا
ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشمأزت} على معنى أنه يَشْمَئِزُّونَ مِنْ
تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالشِّرْكِ الَّذِي هُوَ
ذِكْرُ الْآلِهَةِ فَإِذَا مَسَّ أَحَدَهُمْ ضُرٌّ أَوْ أَصَابَتْهُ
شِدَّةٌ تَنَاقَضَ فِي دَعْوَاهُ فَدَعَا مَنِ اشْمَأَزَّ مِنْ ذِكْرِهِ
وَانْقَبَضَ مِنْ تَوْحِيدِهِ وَلَجَأَ إِلَيْهِ دُونَ الْآلِهَةِ فَهُوَ
اعْتِرَاضٌ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ فَقَيَّدَ الْقَوْلَ بِمَا
فِيهِ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِأَمْرِهِ بِذَلِكَ وَبِقَوْلِهِ: {أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ}
ثُمَّ عَقَّبَهُ مِنَ الْوَعِيدِ الْعَظِيمِ أَشَدَّ التَّأْكِيدِ وأعظمه
وأبلغه،.وَلِذَلِكَ كَانَ اتِّصَالُ
قَوْلِهِ: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضر دعا ربه} لِلسَّبَبِ الْوَاقِعِ
فِيهَا وَخُلُوِّ الْأَوَّلِ مِنْهُ مِنَ الْأَمْرِ اشْتِرَاكُ جُمْلَةٍ
مَعَ جُمْلَةٍ وَمُنَاسَبَةٌ أَوْجَبَتِ العطف بالواو الموضوعة لمطلق
بالجمع كَقَوْلِهِمْ قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَتَسْبِيبُ السَّبَبِ مَعَ
مَا فِي ظَاهِرِ الْآيَةِ مِنَ اشْمِئْزَازِهِمْ لَيْسَ يَقْتَضِي
الْتِجَاءَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا يَقْتَضِي إِعْرَاضَهُمْ
عَنْهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ
التَّنَاقُضِ وَذَلِكَ أَنَّكَ تَقُولُ زَيْدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعَالَى
فَإِذَا مَسَّهُ الضُّرُّ لَجَأَ إِلَيْهِ فَهَذَا سَبَبٌ ظَاهِرٌ
مَبْنِيٌّ عَلَى اطِّرَادِ الْأَمْرِ وَتَقُولُ زَيْدٌ كَافِرٌ بِاللَّهِ
فَإِذَا مَسَّهُ ضُرٌّ لَجَأَ إِلَيْهِ فَتَجِيءُ بِالْفَاءِ هُنَا
كَالْأَوَّلِ لِغَرَضِ الْتِزَامِ التَّنَاقُضِ أَوِ الْعَكْسِ حَيْثُ
أَنْزَلَ الْكَافِرُ كُفْرَهُ مَنْزِلَةَ الْإِيمَانِ فِي فَصْلِ سَبَبِ
الِالْتِجَاءِ فَأَنْتَ تُلْزِمُهُ الْعَكْسَ بِأَنَّكَ إِنَّمَا تَقْصِدُ
بِهَذَا الْكَلَامِ الْإِنْكَارَ وَالتَّعَجُّبَ مِنْ فِعْلِهِ.
وَقَوْلُهُ:
{وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ
السوء ولا هم يحزنون} بِقَوْلِهِ اللَّهُ: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
اعْتِرَاضٌ وَاقِعٌ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ مُتَّصِلٍ وَهُوَ قَوْلُهُ:
{وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يمسهم السوء
ولا هم يحزنون} {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ
الْخَاسِرُونَ} وَهُوَ عَلَى مَهْيَعِ أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ
الضد عقب الضد كَمَا قِيلَ:
*وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ*
وَمِنْهَا:
الْإِدْلَاءُ بِالْحُجَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
إن كنتم لا تعلمون. بالبينات والزبر} فَاعْتَرَضَ بِقَوْلِهِ:
[فَاسْأَلُوا] بَيْنَ قَوْلِهِ: [نُوحِي إِلَيْهِمْ] وبين قوله: [بالبينات
والزبر] إظهارا لقوة الحجة عليهم.
وبهذه الآية ابْنُ مَالِكٍ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ قَوْلَهُ إِنَّهُ لَا يُعْتَرَضُ بِأَكْثَرِ مِنْ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
ورد
بأن جملة الأمر دليل لِلْجَوَابِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَنَفْسُهُ عِنْدَ
آخَرِينَ فَهُوَ مَعَ جُمْلَةِ الشَّرْطِ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ
نَعَمْ جَوَّزُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ
بَطَائِنُهَا من إستبرق} أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ قَوْلِهِ: {وَلِمَنْ
خَافَ مقام ربه جنتان} فَلَزِمَ الِاعْتِرَاضُ بِسَبْعِ جُمَلٍ
مُسْتَقِلَّاتٍ إِنْ كَانَ: {ذواتا أفنان} خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ
وَإِلَّا فَيَكُونُ بِسِتِّ جُمَلٍ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي
قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا
لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ
كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كانوا يكسبون. أفأمن أهل القرى} الْآيَةَ:
إِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ سَبْعُ جمل معترضة: جملة الشرط
[واتقوا] [وفتحنا] [وكذبوا] [وأخذناهم] [وبما كانوا يكسبون] وزعم أن
[أفأمن] معطوف على {فأخذناهم بغتة} وَكَذَا نَقْلَهُ ابْنُ مَالِكٍ عَنِ
الزَّمَخْشَرِيِّ. وَتَبِعَهُ أَبُو حَيَّانَ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي
كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ.
منقول من http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=43745
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق