وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمُتَهَجَّاةَ فِي أَوَّلِ السُّوَرِ ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ حَرْفًا فَالْكَافُ وَالنُّونُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ وَالْعَيْنُ وَالْيَاءُ وَالْهَاءُ وَالْقَافُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَكَانَيْنِ وَالصَّادُ فِي ثَلَاثَةٍ وَالطَّاءُ فِي أَرْبَعَةٍ وَالسِّينُ فِي خَمْسَةٍ وَالرَّاءُ فِي سِتَّةٍ وَالْحَاءُ فِي سَبْعَةٍ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَالْمِيمُ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فِي بَيْتَيْنِ وَهُمَا
كُنْ وَاحِدٌ عَيْهَقٌ اثنان ثلاثة صا ... دُ الطَّاءُ أَرْبَعَةٌ وَالسِّينُ خَمْسٌ عَلَا
وَالرَّاءُ سِتٌّ وَسَبْعُ الْحَاءُ آلُ وَدَجٍ ... وَمِيمُهَا سَبْعَ عَشْرٍ تَمَّ وَاكْتَمَلَا
وَهِيَ فِي الْقُرْآنِ فِي تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ سُورَةً وَجُمْلَتُهَا مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ نَصٌّ حَكِيمٌ قَاطِعٌ لَهُ سِرٌّ
وَجَمَعَهَا السُّهَيْلِيُّ فِي قَوْلِهِ أَلَمْ يَسْطَعْ نُورُ حَقٍّ كُرِهَ
وَهَذَا الضَّابِطُ فِي لَفْظِهِ ثِقَلٌ وَهُوَ غَيْرُ عَذْبٍ فِي السَّمْعِ وَلَا فِي اللَّفْظِ وَلَوْ قَالَ لَمْ يكرها نص حق سطح لَكَانَ أَعْذَبَ
وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَ بِقَوْلِهِ طَرَقَ سمعك النصيحة وصن سرا يقطعك حمله وعلى صِرَاطِ حَقٍّ يُمْسِكُهُ وَقِيلَ مَنْ حَرَصَ عَلَى بَطِّهِ كَاسِرٌ وَقِيلَ سِرٌّ حَصِينٌ قَطَعَ كَلَامَهُ
ثُمَّ بَنَيْتُهَا ثَلَاثَةَ حُرُوفٍ مُوَحَّدَةٍ ص ق ن وَعَشَرَةً مَثْنَى طه طس يس حم وَاثْنَا عَشَرَ مُثَلَّثَةَ الْحُرُوفِ الم الر طسم وَاثْنَانِ حُرُوفُهَا أَرْبَعَةٌ المص المر وَاثْنَانِ حُرُوفُهَا خمسة كهيعص حمعسق
وَأَكْثَرُ هَذِهِ السُّوَرِ الَّتِي ابْتُدِئَتْ بِذِكْرِ الْحُرُوفِ ذُكِرَ مِنْهَا مَا هُوَ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ وَمَا هُوَ أَرْبَعَةٌ أَحْرُفٍ سُورَتَانِ وَمَا ابْتُدِئَ بِخَمْسَةِ أحرف سورتان
وَأَمَّا مَا بُدِئَ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ حَرْفًا وَإِنَّمَا جَعَلَهُ اسْمًا لِشَيْءٍ خَاصٍّ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ حَرْفًا وَقَالَ أَرَادَ أَنْ يَتَحَقَّقَ الْحُرُوفَ مُفْرَدَهَا ومنظومتها
فأما ما ابتدئ بِثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ فَفِيهِ سِرٌّ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَلِفَ إِذَا بُدِئَ بِهَا أَوَّلًا كَانَتْ هَمْزَةً وَهِيَ أَوَّلُ الْمَخَارِجِ مِنْ أَقْصَى الصَّدْرِ وَاللَّامُ مِنْ وَسَطِ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ وَهِيَ أَشَدُّ الْحُرُوفِ اعْتِمَادًا عَلَى اللِّسَانِ وَالْمِيمُ آخِرُ الْحُرُوفِ وَمَخْرَجُهَا مِنَ الْفَمِ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَصْلُ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ أَعْنِي الْحَلْقَ وَاللِّسَانَ وَالشَّفَتَيْنِ وَتَرَتَّبَتْ فِي التَّنْزِيلِ مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى الْوَسَطِ إِلَى النِّهَايَةِ
فَهَذِهِ الْحُرُوفُ تَعْتَمِدُ الْمَخَارِجَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي يَتَفَرَّعُ مِنْهَا سِتَّةَ عَشَرَ مَخْرَجًا لِيَصِيرَ مِنْهَا تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا عَلَيْهَا مَدَارُ كَلَامِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ مَعَ تَضَمُّنِهَا سِرًّا عَجِيبًا وَهُوَ أَنَّ الْأَلِفَ لِلْبِدَايَةِ وَاللَّامَ لِلتَّوَسُّطِ وَالْمِيمَ لِلنِّهَايَةِ فَاشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْأَحْرُفُ الثَّلَاثَةُ عَلَى الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَالْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمَا
وَكُلُّ سُورَةٍ اسْتَفْتَحَتْ بِهَذِهِ الْأَحْرُفِ فَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَبْدَأِ الْخَلْقِ وَنِهَايَتِهِ وَتَوَسُّطِهِ مُشْتَمِلَةً عَلَى خَلْقِ الْعَالَمِ وَغَايَتِهِ وَعَلَى التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْبِدَايَةِ مِنَ الشرائع والأوامر فتأمل ذلك في البقرة وآل عمران وتنزيل السَّجْدَةِ وَسُورَةِ الرُّومِ
وَأَيْضًا فَلِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ كَثُرَتْ فِي الْفَوَاتِحِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْحُرُوفِ لِكَثْرَتِهَا فِي الْكَلَامِ
وَأَيْضًا مِنْ أَسْرَارِ عِلْمِ الْحُرُوفِ أَنَّ الْهَمْزَةَ مِنَ الرِّئَةِ فَهِيَ أَعْمَقُ الْحُرُوفِ وَاللَّامَ مَخْرَجُهَا مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ مُلْصَقَةٌ بِصَدْرِ الْغَارِ الْأَعْلَى مِنَ الْفَمِ فَصَوْتُهَا يَمْلَأُ مَا وَرَاءَهَا مِنْ هَوَاءِ الْفَمِ وَالْمِيمَ مُطَبَقَةٌ لأن مخرجها من الشفتين إذا أطبقا وَيُرْمَزُ بِهِنَّ إِلَى بَاقِي الْحُرُوفِ كَمَا رَمَزَ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" إِلَى الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِمَا
وَتَأَمَّلِ اقْتِرَانَ الطَّاءِ بِالسِّينِ وَالْهَاءِ فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ الطَّاءَ جَمَعَتْ مِنْ صِفَاتِ الْحُرُوفِ خَمْسَ صِفَاتٍ لَمْ يَجْمَعْهَا غَيْرُهَا وَهِيَ
الْجَهْرُ وَالشِّدَّةُ وَالِاسْتِعْلَاءُ وَالْإِطْبَاقُ وَالْإِصْمَاتُ وَالسِّينُ مَهْمُوسٌ رِخْوٌ مُسْتَفِلٌ صَفِيرٌ مُنْفَتِحٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ إِلَى الطَّاءِ حَرْفٌ يُقَابِلُهَا كَالسِّينِ وَالْهَاءِ فَذَكَرَ الْحَرْفَيْنِ اللَّذَيْنِ جَمَعَا صِفَاتِ الْحُرُوفِ
وَتَأَمَّلِ السُّورَةَ الَّتِي اجْتَمَعَتْ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ كَيْفَ تَجِدُ السُّورَةَ مَبْنِيَّةً عَلَى كَلِمَةِ ذَلِكَ الْحَرْفِ فمن ذلك: {ق والقرآن المجيد} فَإِنَّ السُّورَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَلِمَاتِ الْقَافِيَةِ مِنْ ذِكْرِ الْقُرْآنِ وَمِنْ ذِكْرِ الْخَلْقِ وَتَكْرَارِ الْقَوْلِ وَمُرَاجَعَتِهِ مِرَارًا وَالْقُرْبِ مِنِ ابْنِ آدَمَ وَتَلَقِّي الْمَلَكَيْنِ وَقَوْلِ الْعَتِيدِ وَذِكْرِ الرَّقِيبِ وَذِكْرِ السَّابِقِ وَالْقَرِينِ وَالْإِلْقَاءِ فِي جَهَنَّمَ وَالتَّقَدُّمِ بِالْوَعْدِ وَذِكْرِ الْمُتَّقِينَ وَذِكْرِ الْقَلْبِ وَالْقَرْنِ وَالتَّنْقِيبِ فِي الْبِلَادِ وَذِكْرِ الْقَتْلِ مَرَّتَيْنِ وَتَشَقُّقِ الْأَرْضِ وَإِلْقَاءِ الرَّوَاسِي فِيهَا وَبُسُوقِ النَّخْلِ وَالرِّزْقِ وَذِكْرِ الْقَوْمِ وَخَوْفِ الْوَعِيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ