فائدة.
[في اختلاف الأقوال في تقدير المبالغة في الكلام] .
اخْتُلِفَ فِي الْمُبَالَغَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:.
أَحَدُهَا: إِنْكَارُ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَحَاسِنِ الْكَلَامِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الِاسْتِحَالَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْغَايَةُ فِي الْحُسْنِ وَأَعْذَبُ الْكَلَامِ مَا بُولِغَ فِيهِ وَقَدْ قَالَ النَّابِغَةُ:
لَنَا الْجَفَنَاتُ الْغُرُّ يَلْمَعْنَ فِي الضُّحَى ... وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمَا
وَالثَّالِثُ:
وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهَا مِنْ مَحَاسِنِ الْكَلَامِ وَلَا يَنْحَصِرُ
الْحُسْنُ فِيهَا فَإِنَّ فَضِيلَةَ الصِّدْقِ لَا تُنْكَرُ وَلَوْ كَانَتْ
مَعِيبَةً لَمْ تَرِدْ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهَا طَرِيقَانِ:.
أَحَدُهُمَا:
أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ لُغَةً كَمَا فِي
الْكِنَايَةِ وَالتَّشْبِيهِ وَالِاسْتِعَارَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ
الْمَجَازِ وَالثَّانِي: أَنْ يُشْفَعَ مَا يُفْهِمُ الْمَعْنَى
بِالْمَعْنَى عَلَى وجه يتقضى زِيَادَةً فَتَتَرَادَفُ الصِّفَاتُ.بقصد
التهويل كما في قوله تعالى: {أو كظلمات في بحر لجي يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ
فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سحاب ظلمات بعضها فوق بعض} .
الْقِسْمُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: الِاعْتِرَاضُ.
وَأَسْمَاهُ
قُدَامَةُ [الْتِفَاتًا] ، وَهُوَ أَنْ يُؤْتَى فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ
أَوْ كَلَامَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ مَعْنًى بِشَيْءٍ يَتِمُّ الْغَرَضُ
الْأَصْلِيُّ بِدُونِهِ وَلَا يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ فَيَكُونُ فَاصِلًا
بَيْنَ الْكَلَامِ وَالْكَلَامَيْنِ لِنُكْتَةٍ.
وَقِيلَ: هُوَ
إِرَادَةُ وَصْفِ شَيْئَيْنِ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا قَصْدًا وَالثَّانِي
بِطَرِيقِ الِانْجِرَارِ وَلَهُ تَعْلِيقٌ بِالْأَوَّلِ بِضَرْبٍ مِنَ
التَّأْكِيدِ.
وَعِنْدَ النُّحَاةِ جُمْلَةٌ صُغْرَى تَتَخَلَّلُ جُمْلَةً كُبْرَى عَلَى جِهَةِ التَّأْكِيدِ.
وَقَالَ
الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي أَمَالِيهِ: الْجُمْلَةُ الْمُعْتَرِضَةُ
تَارَةً تَكُونُ مُؤَكِّدَةً وَتَارَةً تَكُونُ مُشَدِّدَةً لِأَنَّهَا
إِمَّا أَلَّا تَدُلَّ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ
الْكَلَامُ بَلْ دَلَّتْ عَلَيْهِ فَقَطْ فَهِيَ مُؤَكِّدَةٌ وَإِمَّا أَنْ
تَدُلَّ عَلَيْهِ وَعَلَى مَعْنَى زَائِدٍ فَهِيَ مُشَدِّدَةٌ. انْتَهَى.
وَذَكَرَ
النُّحَاةُ مِمَّا تَتَمَيَّزُ بِهِ الْجُمْلَةُ الِاعْتِرَاضِيَّةُ عَنِ
الْحَالِيَّةِ كَوْنَهَا طَلَبِيَّةً كَقَوْلِهِ تعالى:.
{ومن يغفر الذنوب إلا الله} ،فإنه معترض بين: {فاستغفروا لذنوبهم} وبين: {ولم يصروا على ما فعلوا} .
وَلَهُ أَسْبَابٌ:.
مِنْهَا:
تَقْرِيرُ الْكَلَامِ، كَقَوْلِكَ: فُلَانٌ أَحْسَنُ بِفُلَانِ - وَنِعْمَ
مَا فَعَلَ. وَرَأَى مِنَ الرَّأْيِ كَذَا - وَكَانَ صَوَابًا.
وَمِنْهُ
قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ
فِي الأرض} لَقَدْ عَلِمْتُمْ اعْتِرَاضٌ وَالْمُرَادُ تَقْرِيرُ إِثْبَاتِ
الْبَرَاءَةِ مِنْ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ.
وَقَوْلُهُ: {وَآمَنُوا بِمَا
نُزِّلَ على محمد وهو الحق من ربهم} . {وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك
يفعلون} واعترض بقوله: {وكذلك يفعلون} بين كلامها.
وقوله: {وأتوا به متشابها} .
منقول من http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=43743
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق