النَّوْعُ السَّابِعُ: فِي أَسْرَارِ الْفَوَاتِحِ وَالسُّوَرِ
اعْلَمْ أَنَّ سُوَرَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مِائَةٌ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سُورَةً وَفِيهَا يُلْغَزُ فَيُقَالُ أَيُّ شَيْءٍ إِذَا عَدَدْتَهُ زَادَ عَلَى الْمِائَةِ وَإِذَا عَدَدْتَ نِصْفَهُ كان دون العشرين؟
وقد افتح سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كِتَابَهُ الْعَزِيزَ بِعَشَرَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْكَلَامِ لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ السُّوَرِ عَنْهَا
الاستفتاح بالثناء
الْأَوَّلُ: اسْتِفْتَاحُهُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالثَّنَاءُ قِسْمَانِ إِثْبَاتٌ لِصِفَاتِ الْمَدْحِ وَنَفْيٌ وَتَنْزِيهٌ مِنْ صفات النقص
والإثبات نَحْوُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} فِي خَمْسِ سُوَرٍ وَ {تَبَارَكَ} فِي سُورَتَيْنِ الْفَرْقَانِ {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفرقان} والملك {تبارك الذي بيده الملك}


والتنزيه نحو {سبحان الذي أسرى بعبده} {سبح اسم ربك الأعلى} {سبح لله ما في السماوات} {يسبح لله} كِلَاهُمَا فِي سَبْعِ سُوَرٍ فَهَذِهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سورة استفتحت بالثناء على الله لِثُبُوتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَنِصْفُهَا لِسَلْبِ النَّقَائِصِ
قُلْتُ وَهُوَ سِرٌّ عَظِيمٌ مِنْ أَسْرَارِ الْأُلُوهِيَّةِ قَالَ صَاحِبُ الْعَجَائِبِ سَبَّحَ لِلَّهِ هَذِهِ كَلِمَةٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهَا فَبَدَأَ بِالْمَصْدَرِ مِنْهَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ ثُمَّ الْمَاضِي سَبَّحَ لِلَّهِ في الحديد والحشر والصف لِأَنَّهُ أَسْبَقُ الزَّمَانَيْنِ ثُمَّ الْمُسْتَقْبَلِ فِي الْجُمُعَةِ والتغابن ثُمَّ بِالْأَمْرِ فِي سُورَةِ الْأَعْلَى اسْتِيعَابًا لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهَا وَهِيَ أَرْبَعٌ الْمَصْدَرُ وَالْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ وَالْأَمْرُ الْمُخَاطَبُ فَهَذِهِ أُعْجُوبَةٌ وَبُرْهَانٌ
2 الاستفتاح بحروف التهجي
الثَّانِي اسْتِفْتَاحُ السُّوَرِ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي نَحْوُ الم المص المر كهيعص طه طس طسم حم حمعسق ق ن وَذَلِكَ فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ سُورَةً
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَإِذَا تَأَمَّلْتَ الْحُرُوفَ الَّتِي افْتَتَحَ اللَّهُ بِهَا السُّوَرَ وَجَدْتَهَا نِصْفَ

أَسَامِي حُرُوفِ الْمُعْجَمِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ وَالْمِيمَ وَالصَّادَ وَالرَّاءَ وَالْكَافَ وَالْهَاءَ وَالْيَاءَ وَالْعَيْنَ وَالطَّاءَ وَالسِّينَ وَالْخَاءَ وَالْقَافَ وَالنُّونَ فِي تِسْعٍ وعشرين عَدَدُ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ ثُمَّ تَجِدُهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى أصناف أجناس الحروف المهموسة والمجهورة والشديدة والمطبقة وَالْمُسْتَعْلِيَةِ وَالْمُنْخَفِضَةِ وَحُرُوفِ الْقَلْقَلَةِ ثُمَّ إِذَا اسْتَقْرَيْتَ الْكَلَامَ تَجِدُ هَذِهِ الْحُرُوفَ هِيَ أَكْثَرُ دَوْرًا مِمَّا بَقِيَ وَدَلِيلُهُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَمَّا كَانَتْ أَكْثَرَ تَدَاوُرًا جَاءَتْ فِي مُعْظَمِ هَذِهِ الْفَوَاتِحِ فَسُبْحَانَ الَّذِي دَقَّتْ فِي كُلِّ شَيْءٍ حِكْمَتُهُ انْتَهَى
قِيلَ وَبَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَصْنَافِ الشَّدِيدَةُ وَالْمُنْفَتِحَةُ وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى نِصْفَهَا أَمَّا حُرُوفُ الصَّفِيرِ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ لَيْسَ لَهَا نِصْفٌ فَجَاءَ مِنْهَا السِّينُ وَالصَّادُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الزَّايُ وَكَذَلِكَ الْحُرُوفُ اللَّيِّنَةُ ثَلَاثَةٌ ذَكَرَ مِنْهَا اثْنَيْنِ الْأَلِفَ وَالْيَاءَ أَمَّا الْمُكَرَّرُ وَهُوَ الرَّاءُ وَالْهَاوِي وَهُوَ الْأَلِفُ وَالْمُنْحَرِفُ وَهُوَ اللَّامُ فَذَكَرَهَا
وَلَمْ يَأْتِ خَارِجًا عَنْ هَذَا النَّمَطِ إِلَّا مَا بَيْنَ الشَّدِيدَةِ وَالرِّخْوَةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ وَهَذَا التَّدَاخُلُ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ قِسْمٍ قَبْلَهُ وَلَوْلَاهُ لَمَا انْقَسَمَتْ هَذِهِ الأقسام كلها
ووهم الزمخشري في عدد حُرُوفِ الْقَلْقَلَةِ إِنَّمَا ذَكَرَ نِصْفَهَا فَإِنَّهَا خَمْسَةٌ ذُكِرَ مِنْهَا حَرْفَانِ الْقَافُ وَالطَّاءُ

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِنَّمَا جَاءَتْ عَلَى نِصْفِ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ كَأَنَّهُ قِيلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ بِآيَةٍ فَلْيَأْخُذِ الشَّطْرَ الْبَاقِيَ وَيُرَكِّبْ عَلَيْهِ لَفْظًا مُعَارَضَةً لِلْقُرْآنِ وَقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْحَقَائِقِ